بتاريخ 15 سبتمبر 2024، شهدت تركيا حادثًا مأساويًا أعاد إلى الواجهة ملف السلامة المهنية في المنشآت الصناعية، وذلك بعد انفجار غباري ضخم في مصنع OBA MAKARNA بمدينة هندك (Hendek) التابعة لولاية ساكاريا (Sakarya)، أسفر عن وقوع ضحايا وإصابات، وفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول غياب الرقابة والإهمال في تطبيق أنظمة السلامة.
تفاصيل الحادث: شرارة أشعلت الكارثة
حوالي الساعة 13:20 من ظهر يوم الأحد، وقع انفجار في قسم الطحن بالمصنع نتيجة اشتعال غبار الحبوب المتراكم، أعقبه حريق كبير امتد إلى أقسام متعددة داخل المبنى. وأسفر الحادث عن وفاة العامل الشاب "مسعود شماي" البالغ من العمر 27 عامًا، وإصابة ما لا يقل عن 30 شخصًا، بينهم ستة في حالة حرجة، واثنان كانوا موصولين بأجهزة التنفس الاصطناعي بسبب استنشاقهم دخانًا سامًا واحتراق أجزاء من أجسادهم12.
والمفجع أن من بين المصابين طفلًا يبلغ من العمر 12 عامًا كان يرافق والده في زيارة للمصنع، بالإضافة إلى إصابة ثلاثة من رجال الإطفاء خلال مشاركتهم في عمليات التبريد بعد السيطرة على الحريق2.
الأسباب الفنية: شرارة كهربائية + غبار معلق = انفجار قاتل
أظهر تقرير فني شامل أعدّه فريق من الخبراء والأكاديميين في ديسمبر 2024 أن سبب الانفجار كان تراكم غبار الحبوب في وحدة الطحن، بالتزامن مع شرارة كهربائية انطلقت من غرفة التحكم نتيجة قصر كهربائي في إحدى اللوحات الكهربائية المكشوفة والمغطاة بشريط لاصق غير محكم3.
المثير للقلق أن هذا النوع من الحوادث معروف تمامًا في بيئات العمل التي تتعامل مع المواد العضوية القابلة للاشتعال مثل القمح والشعير، حيث يمكن لأي تركيز غباري معلق في الهواء أن يتحول إلى قنبلة موقوتة بمجرد حدوث شرارة.
أوجه الإهمال: السلامة كانت حبرًا على ورق
كشف التقرير أن المصنع لم يكن يطبّق إجراءات السلامة المهنية بشكل فعلي، بل اكتفى بإعداد وثائق شكلية لإرضاء المتطلبات القانونية. ومن أبرز أوجه القصور:
- تراكم الغبار في الأرضيات والأسطح دون إجراء قياسات تركّز الغبار في الجو.
- لوحات كهربائية مفتوحة، تغطى بشكل غير آمن بشريط عازل.
- غياب تحليل شامل لمخاطر الانفجار، أو مراجعة دورية لمستويات الغبار في الأقسام الخطرة.
- ضعف التنسيق بين فرق السلامة الداخلية وإدارة الإنتاج.
- تجاهل الحوادث الصغيرة السابقة التي كان يمكن أن تكون إنذارًا مبكرًا3.
المسؤولية القانونية: من يتحمّل الخطأ؟
أشار التقرير إلى أن المسؤولية تقع بالدرجة الأولى على رئيس مجلس إدارة شركة OBA MAKARNA السيد "محمد موسى أوزغوتشلو" (Mehmet Musa Özgüçlü)، كونه الممثل الأعلى قانونيًا للمؤسسة، وعليه مسؤولية ضمان وجود نظام سلامة فعال.
كما وجهت انتقادات لفريق السلامة المهنية والفنيين داخل المصنع، بسبب عدم توصيتهم بإيقاف الإنتاج رغم وجود مؤشرات خطر حقيقية3.
وبعد الحادث بأيام، تم توقيف ستة أشخاص من إدارة المصنع للتحقيق، من بينهم مسؤولون في قسم الصيانة والجودة4.
ردود فعل المجتمع المدني: "نحاسب بعد الموت، لا قبله"
رابطة الأطباء الأتراك (TTB) ومركز حرية ستوكهولم (SCF) عبّرا عن قلقهما البالغ من واقع السلامة المهنية في المصانع التركية، مشيرين إلى أن أنظمة التفتيش تأتي دائمًا بعد وقوع الكوارث، وليس لمنعها.
وقالت الرابطة في بيان لها إن "الحكومة لا تولي التفتيش الوقائي أهمية كافية، ما يؤدي إلى استمرار سقوط ضحايا من الطبقة العاملة"5.
تسريحات عقابية بعد الحادث
في تطور مثير للجدل، أفادت مصادر إعلامية محلية أن إدارة المصنع بدأت بعد الحادث بأسابيع قليلة عمليات فصل تعسفي لعدد من العمال، وخصوصًا أولئك الذين شاركوا في جنازة العامل المتوفى أو أدلوا بتصريحات لوسائل الإعلام. وقد وُصف ذلك بأنه محاولة "لكتم الصوت" وتقليل الحديث عن الإهمال الداخلي6.
الدروس المستخلصة: هل سنتعلم؟
مثل هذه الحوادث لا يجب أن تمر مرور الكرام. انفجارات الغبار الصناعي ليست نادرة، ولكن يمكن منعها بالكامل تقريبًا إذا توفرت:
- أنظمة تهوية فعالة.
- أجهزة استشعار تركّز الغبار.
- صيانة كهربائية دورية.
- تدريب فعلي للعمال على إجراءات الطوارئ.
إن ما حدث في مصنع OBA MAKARNA ليس حادثًا عرضيًا، بل نتيجة إهمال تراكمي وانعدام ثقافة السلامة. والتكرار أمر وارد في مصانع مشابهة ما لم تُتخذ إجراءات حقيقية وجذرية.
المراجع
- وكالة الأناضول: "وفاة عامل وإصابة 30 في انفجار مصنع مكرونة بساكاريا"، anadoluajansi.com.tr ↩
- صحيفة Evrensel: "تفاصيل إصابة طفل وعمال إطفاء بانفجار مصنع Hendek"، evrensel.net ↩ ↩2
- تقرير الخبراء حول انفجار غبار الحبوب - Bianet و ExplosionHazards، ديسمبر 2024، bianet.org | explosionhazards.com ↩ ↩2 ↩3
- صحيفة Gazete Duvar: "توقيف 6 مسؤولين بعد انفجار مصنع OBA"، gazeteduvar.com.tr ↩
- بيان مركز حرية ستوكهولم TTB حول ضعف إجراءات السلامة، stockholmcf.org ↩
- Turkish Minute: "عمال يتعرضون للفصل بعد حضور جنازة زميلهم في OBA MAKARNA"، turkishminute.com ↩

التعليقات