اللي بيشتغل بمجال السلامة والصحة المهنية بيعرف تمامًا قديش هاظ المجال حساس وخطير بنفس الوقت، لأنه مرتبط مباشرة بحياة الناس وأمانهم داخل المواقع. بس اللي عم بيصير اليوم هو شي بيكسر الظهر فعليًا، وصار كل من حصل على دورة قصيرة أو شهادة بسيطة يلقب نفسه "مستشار سلامة"، وبصير يلف على المصانع والشركات يبيع استشارات وهمية، وبيأخذ مقابلها مبالغ وكأنه فعلاً بيقدّم حلول مهنية حقيقية. المشكلة إن هدول الناس مش بس ما عندهم خبرة، كمان عم يسيئوا لسمعة المهنة كلها وبخربوا على الملتزمين.
تجارة الألقاب وضياع الهيبة
تحول اللقب لسلعة:
زمان، لما كنت تحكي "مستشار سلامة" الناس كانت تحترم الكلمة، وتشوف فيها شخص عنده علم وتجربة طويلة بالميدان. اليوم صار اللقب مجرد ورقة عليها توقيع ومبلغ بسيط، وبتتحول لشهادة جاهزة. بتلاقي اللي عمره ما دخل موقع أو شاف خطر حقيقي، ماسك ملفات السلامة وبيعمل حاله خبير. الناس هاي بتفكر السلامة شغل ورقي وملفات جاهزة، وبتنسى إن كل خطأ بسيط ممكن يكلف حياة عامل أو يصيب شخص بعاهة دائمة. لما يصير المستشار "تاجر شهادات"، بتتحول المهنة من رسالة إلى تجارة، ومن علم إلى تمثيل رخيص ما إله طعم.
أسباب الانحدار في المهنة
غياب الرقابة على الدورات:
كل شي بلش لما صارت بعض الجهات تفتح دورات وشهادات سريعة بدون رقابة حقيقية. أي شخص معه مبلغ بسيط بيسجل دورة، وبعدها بصير يلف على المصانع يعرض خدماته بخمسين أو مية دينار، واللي بيدفع أكثر بيحصل على تقرير جاهز حتى لو ما زار الموقع ولا شاف شو فيه. هاي الممارسات خطيرة لأنها مش بس بتخرب على المهنيين الحقيقيين، كمان بتعرّض حياة العمال للخطر. لما شركة تعتمد على شخص ما بفهم بالسلامة بس عشان سعره أرخص، فهي عمليًا بتحط أرواح الناس على كفة الميزانية وبتجازف فيهم.
الثمن الباهظ للجهل
العامل هو الضحية الأولى:
الضحية الأولى والأخيرة في كل هاي المسرحية هو العامل البسيط، الإنسان اللي بيبدأ يومه مع أول شعاع شمس وبنهيه وهو غارق بالعرق والتعب. هاظ اللي واقف جنب الماكينة، أو واقف فوق سقالة بارتفاع عشرين متر، حاطط ثقته الكاملة بالنظام اللي المفروض يحميه. بس لما المستشار يكون فاشل أو نصّاب، هاي الثقة بتتحول لفخّ قاتل. تخيل إن خطة الطوارئ مكتوبة عالورق بس ما حدا جربها فعليًا، أو إن مخرج الطوارئ مسكّر بكومة صناديق، أو إن حقيبة الإسعاف ناقصها نص محتواها! هيك بيصير لما السلامة تصير تجارة مش التزام أخلاقي.
كشف المستور وقت التفتيش
عواقب الإهمال القانونية:
ولما يجي التفتيش، كل شي بينكشف وبتبان العيوب. الشركة بتتبهدل، والملفات بتتفتح، والمفتشين بيلاقوا مصايب ما إلها أول ولا آخر. بس المصيبة الحقيقية مش بالمخالفة، المصيبة بالعامل اللي انأذى أو انكسرت رجله أو فقد حياته. هاظ العامل ما بيستفيد من الأعذار، ما بيشفعله تقرير ولا تبرير. المدير اللي وثق بالمستشار بيخسر سمعته، والمصنع بيخسر مصداقيته، والمهنة كلها بتصير محل سخرية. الوجع الحقيقي مش بس بخسارة الوظيفة أو الغرامة، الوجع لما تشوف عيون العامل اللي انظلم، والناس اللي حواليه بتحاول تلاقي تبرير لفشل منظومة كاملة كان المفروض تحميه. وهون بتعرف قديش الجهل غالي، وقديش "التمثيل بالسلامة" ممكن يقتل أكثر من أي خطر بالموقع.
مسؤولية الشركات وأصحاب العمل
اختيار الكفاءة لا السعر:
الشركات اليوم لازم توقف وقفة جدّ وتفهم إن السلامة مش حبر على ورق، ولا توقيع عشان يرضى المفتش، السلامة منظومة كاملة بتبدأ من ضمير الشخص وبتنتهي بأمان العامل. لما صاحب العمل يجيب "مستشار" بس لأنه أرخص أو عنده شهادة مطبوعة جاهزة، فهو عمليًا بحط مؤسسته على حافة الخطر. قبل ما تتعامل مع أي شخص، لازم تدقق وتفحص. شوف شو عنده إنجازات حقيقية، مو صور ملفات من الإنترنت. اسأله عن مواقع اشتغل فيها، عن خطط طوارئ نفذها فعليًا، عن تقاريره اللي واجهت تفتيش رسمي ونجحت. المهني الحقيقي ما بيخاف يورجيك شغله، لأنه واثق من نفسه، أما اللي بيته من ورق فبيهرب من أي سؤال جدي ومباشر.
ضرورة الرقابة الميدانية
وقف نزيف الخبرات:
واللي لازم نصحى عليه كمان، إن الرقابة مش ترف، هي ضرورة قصوى. الجهات المسؤولة لازم توقف النزيف هاظ وتمنع أي شخص يشتغل بدون سجل مهني واضح وتجربة ميدانية حقيقية. مش كل واحد حضر دورة يومين يصير مستشار! الرقابة ما لازم تكون شكلية، ولا تفتيش روتيني. لازم تكون متابعة واقعية في الميدان، زيارات ميدانية، تقييم فعلي لأداء المستشارين، مش مجرد شهادات مطبوعة أو تواقيع جاهزة. اللي بيحترم مهنته ما بخاف من الرقابة، واللي بيشتغل بضمير ما بيهرب من الأسئلة، بس اللي متعود على الغش هو اللي أول ما يسمع كلمة "تفتيش" بصير يدور عذر يختفي فيه.
المهني الحقيقي والخبرة الميدانية
قوة التجربة الواقعية:
الناس اللي فعليًا اشتغلت بالميدان، اللي شمّت غبرة الموقع، وسمعت صوت المعدات وهي تشتغل، وعاشت لحظة الخطر، هاي الناس بتعرف شو يعني مسؤولية. المهندس أو المشرف اللي شاف بعينه عامل يوقع أو آلة تتعطل أو خطأ بسيط كاد يسبب كارثة، هاظ الشخص لما يحكي عن السلامة بيحكي من تجربة، مش من كتاب. المهني الحقيقي لما يكتب خطة، بيكتبها وهو متخيل الموقف فعليًا، بيعرف وين الخطر وكيف يتعامل معه، لأنه عاشه، مش قرأ عنه. بيحط خطة طوارئ مش عشان يملأ خانة، بل عشان يحمي حياة إنسان غالي.
الفرق بين المختص والتاجر
مقياس النجاح الحقيقي:
أما اللي بيبيع الاستشارة بخمسين دينار، فهاظ ما اسمه مستشار، هاظ تاجر. بيقيس الأمور بالمصاري مش بالأرواح. بيحسب كم تقرير بيقدر يبيع، مش كم حياة ممكن ينقذ. بتلاقيه دايمًا حامل دفتر فواتير، مش دفتر ملاحظات ميدانية، وبيتنقّل بين المصانع كأنه مندوب مبيعات، مش مختص سلامة. الفرق بين الاثنين بيبان وقت الجد؛ المهني الحقيقي ضميره صاحي وبيتعامل مع كل موقع كأنه بيته. أما الثاني فضميره نايم والمهم الجيبة تمتلئ. المهني الحقيقي ما بيفتخر بعدد الشهادات اللي حطها بإطارات على الحيط، بيفتخر بعدد المرات اللي وقف فيها الخطر قبل ما يصير.
خطوات تصحيح المسار
تنظيف البيت الداخلي:
لو بدنا نرجّع الهيبة الحقيقية لمجال السلامة والصحة المهنية، لازم نبدأ تنظيف البيت من جوّاه. المشكلة مش بس بالأشخاص، المشكلة كمان بالأنظمة اللي سايباهم بدون رقابة. لازم نعيد النظر في طريقة منح الشهادات، لأن الشهادة بدون كفاءة بتصير مجرد ورقة ملوّنة ماله قيمة. التدريب لازم يكون عملي وميداني، مش جلسة نظري وانتهت القصة. وخلينا نحكيها بصراحة، جزء كبير من المسؤولية بيقع على الموارد البشرية؛ لأنهم خط الدفاع الأول، ولازم يتحققوا من كفاءة الشخص قبل ما يسلّموه أمان الناس، مش يكونوا بوابة للغش عشان "يمشوا الأمور".
الأمانة والوعي المجتمعي
الميدان لا يكذب:
السلامة ما بتنحصر بشخص أو قسم، هي مسؤولية مشتركة، الكل فيها شريك، والكل مسؤول عن أي تقصير. المستشار الوهمي ممكن يخدع الناس فترة، بس ما بيقدر يخدع الميدان. السلامة مش بزنس، هي أمانة غالية، واللي بيستهين فيها بيستهين بحياة البشر. وفي حالات مشابهة، تم ضبط بعض الأشخاص يستخدمون نماذج من شركات أخرى وقد تمت مساءلتهم قانونيًا. سكوتنا عن هيك ممارسات هو اللي خلاها تكبر، ولازم كل مهني شريف يحكي ويفضح التزوير. بالنهاية، الشغل النظيف دايمًا بيترك أثر، أما الغش فمصيره ينكشف، لأن اللي بيحافظ على حياة الناس هو اللي عنده ضمير حي مش اللي عنده مجرد توقيع.

التعليقات