كثيراً ما تسمع هذا الكلام في الحافلة، في المقهى، في أي تجمّع عفوي، بمجرد أن يرى أحدهم رادار منصوباً على جانب الطريق: "هذه مخالفات ما هي إلا جباية لجيب المواطن المرهق". وكأن القانون الذي وُضع لحماية الأرواح تحوّل فجأة إلى ضريبة مقنّعة يدفعها الإنسان ثمن تنقّله اليومي. لكن هل هذا هو الواقع فعلاً؟ أم أننا نبحث عن مبرر مريح يُعفينا من الالتزام بقواعد وُضعت أصلاً لحمايتنا؟ هذا هو السؤال الذي يستحق وقفة صادقة مع النفس قبل أي نقاش.
القانون لم يُوضع ليُكسر
القوانين المرورية لم تخرج من فراغ، ولم يضعها أحد ليعاقب الناس أو يُفرغ جيوبهم. خلف كل إشارة، خلف كل حدٍّ للسرعة، خلف كل خط على الأسفلت، هناك دراسة ميدانية، وتحليل مخاطر، وحوادث سابقة كانت دروساً مؤلمة دفع ثمنها أناس بأرواحهم. فعندما تقرأ "الحد الأقصى للسرعة 80 كيلومتراً"، فأنت لست أمام رقم عشوائي يختاره موظف من ورقة، بل أمام قرار صادر عن متخصص درس طبيعة هذا الطريق ومنحنياته ونقاط خطره وأسوأ السيناريوهات الممكنة على سطحه.
الإشكالية الحقيقية أننا نعيش في مجتمع لم يُبنَ فيه وعي السلامة بشكل كافٍ منذ البداية. كثير من السائقين يعتقدون أن تجاوز السرعة بعشر كيلومترات أمر هيّن لا يستحق الاهتمام، وأن تغيير المسرب بلا غماز مسألة شخصية لا تمس أحداً. لكن أرقام الحوادث وتقارير الوفيات على الطرق تقول غير ذلك تماماً، وبصوت عالٍ.
قصة الغماز الذي غيّر عادة
أتذكر يوماً كنت أسير على طريق المطار بسرعة 95 كيلومتراً، وهي ضمن الحد القانوني البالغ مئة. سيارة شرطة كانت خلفي تسير بسرعة أعلى، فانتقلت من المسرب الأيسر إلى الأيمن لأفسح لها الطريق باريحية. ما فاجأني أن الشرطي لوّح بيده وأوقفني على الجانب، وأبلغني بالمخالفة: لم أستخدم الغماز الأيمن عند تغيير المسرب.
في البداية أضحكتني المخالفة بصدق، خاصة أنني أعمل في مجال السلامة العامة وأنصح الآخرين بها يومياً. لكن سرعان ما أدركت أنني فعلاً مخطئ وأستحق هذه المخالفة، ولم أتعامل معها يوماً على أنها جباية. بل اعترفت بذنبي وأخذت منها درساً. منذ ذلك اليوم التزمت باستخدام الغماز في كل حركة على الطريق، ليس خوفاً من الغرامة فقط، بل لأنني فهمت أن هذه الإشارة الصغيرة هي ما تُنبّه السائق بجانبك أو خلفك بما ستفعله، وقد تُنقذ حياةً كاملة بلحظة واحدة.
المخالفة تعكس سلوكاً لا عقوبة
عندما يُخالَف سائق، هو لا يُعاقَب على نيّة، بل على سلوك قابل للقياس والرصد. والسلوك هو الذي يخلق المخاطر الحقيقية على الطريق. فرقٌ كبير بين شخص يقول "أنا التزمت ووُجّهت لي مخالفة ظلماً"، وشخص يقول "أنا أعرف أنني تجاوزت السرعة لكن ما الضرر؟". الضرر ليس دائماً فورياً وظاهراً، لكنه حاضر ويتراكم مع كل مخالفة يُتجاوز فيها القانون:
السرعة الزائدة تُقصّر مسافة التوقف
كل كيلومتر إضافي فوق الحد المسموح به يعني مسافة فرملة أطول ووقت رد فعل أقصر على أي مفاجأة تطرأ أمامك. العشرة كيلومترات التي تبدو هامشية قد تكون الفرق بين توقف آمن ووفاة لا يمكن الرجوع عنها. وهذا ليس تهويلاً بل هو علم الفيزياء بأبسط صوره.
تغيير المسرب بلا إشارة يُفاجئ الجميع
السائق خلفك لا يستطيع قراءة أفكارك ولا توقّع حركتك القادمة. حركة مفاجئة غير منبّهة على طريق سريع قد تؤدي إلى تصادم لم يكن لأحد منكما يدٌ فيه لو استُخدمت الإشارة بشكل صحيح. ثانية واحدة وضغطة زر صغيرة قد تُنقذ أرواحاً متعددة في آنٍ واحد.
حزام الأمان ليس مجرد إجراء شكلي
الإحصاءات العالمية تُؤكد أن حزام الأمان يُنقذ الحياة في أكثر من 40% من حوادث الاصطدام الشديد. إهماله ليس مجازفة شخصية فحسب، بل تقصير حقيقي تجاه كل من يحبّونك ويعتمدون عليك. وهو أسهل سلوك وقائي يمكن لأي سائق الالتزام به دون أي جهد يُذكر.
الهاتف خلف المقود قاتل صامت
الدراسات تُشير إلى أن استخدام الهاتف أثناء القيادة يُعادل في خطورته قيادة شخص تحت تأثير الكحول. ثوانٍ من الشرود الذهني تكفي لأن تتحوّل رحلة روتينية إلى مأساة لا يمكن إصلاحها. المخالفة هنا ليست جباية، بل تنبيه أخير قبل كارثة.
عندما يُخالف من يُفترض أن يكون مثالاً
ما أستوقفني في تلك القصة الشخصية ليس المخالفة التي وُجّهت لي، بل ما رأيته مباشرة بعدها. الشرطي الذي أوقفني وانطلق من مكانه، فعل ذلك دون أن يُشغّل الغماز الأيسر، ودون أن يشدّ حزام أمانه. وهنا تكمن معضلة حقيقية نعيشها في مجتمعاتنا. حين يُخالف من يُفترض فيه أن يكون قدوة في تطبيق القانون، فإن الرسالة التي تصل للمواطن العادي هي أن هذه الأمور ربما ليست بذلك الجدية التي يُقال عنها.
لكن لا يجب أن يكون هذا مبرراً لنا أبداً. الالتزام لا يكون انتقائياً، ولا يكون مشروطاً بسلوك الآخرين من حولنا. نحن نلتزم لأننا نحترم أرواح الآخرين وأرواحنا، ولأن الله يرانا قبل أي رادار أو كاميرا أو شرطي على الطريق. وهذا هو الوعي الحقيقي الذي نفتقده ونحتاج إلى بنائه في ثقافتنا اليومية.
الالتزام عادة تُبنى لا قرار يُتّخذ
موضوع مخالفات السير ليس معقداً كما يبدو في النقاشات الحماسية. الحل بسيط وفي متناول الجميع دون استثناء: التزم بالسرعة المحددة على كل طريق تسلكه، استخدم الغماز في كل تغيير اتجاه مهما بدا بسيطاً، اربط حزام الأمان قبل أن تتحرك السيارة، لا تمسّ هاتفك وأنت خلف المقود. هذه السلوكيات لن تُحمي جيبك فقط من الغرامات، بل ستُحمي حياتك وحياة من يجلس بجانبك ومن يسير أمامك ومن يلعب على جانب الطريق.
والذي يقول إن المخالفات جباية، فليسأل نفسه سؤالاً واحداً صادقاً: هل كنت ملتزماً حين ضُبطت؟ الجواب في الغالب يكفي لإنهاء النقاش. روحك أغلى من أي غرامة مالية، وروح الآخرين على الطريق تساوي روحك تماماً.


التعليقات